النويري
258
نهاية الأرب في فنون الأدب
تجده أيضا لا يرى كلبا إلَّا شمّ استه ، ولا يشمّ غيرها منه ، ولا تراه يرمى بحجر أبدا إلَّا رجع إليه فعضّ عليه ، لأنه لمّا كان لا يكاد يأكل إلَّا شيئا رموا به اليه صار ينسى لفرط شرهه وغلبة الجشع على طبعه أنّ الرامي إنما « 1 » أراد عقره أو قتله ، فيظنّ لذلك أنه إنّما أراد إطعامه والإحسان اليه ، كذلك يخيّل اليه فرط النّهم ، وتوهمه غلبة الشّره ، ولكنّه رمى « 2 » بنفسه على الناس عجزا ولؤما ، وفسولة « 3 » ونقصا ، وخاف السباع واستوحش من الصّحارى ؛ وسمعوا بعض المفسّرين يقول في قوله عزّ وجلّ : * ( ( والَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ والْمَحْرُومِ ) ) * : إنّ المحروم هو الكلب ؛ وسمعوا في المثل : « اصنع المعروف ولو إلى كلب » ، فلذلك عطفوا عليه ، واتّخذوه في الدّور ، على أنّ ذلك لا يكون إلَّا من سفلتهم وأغبيائهم ، ومن قلّ تقزّزه « 4 » ، وكثر جهله ، وردّ الآثار إمّا جهلا وإمّا معاندة ؛ ووصف « 5 » في ذمّه ومعايبه ما ذكره صاحب الدّيك من ذمّ الكلاب ، وتعداد أصناف معايبها ومثالبها ، من لؤمها وخبثها « 6 » وضعفها وشرهها وغدرها وبذائها وجهلها وتسرّعها ونتنها وقذرها ، وما جاء في الآثار من النّهى
--> « 1 » في كلا الأصلين : « الذي » ؛ وهو تحريف لا يستقيم به الكلام ؛ والسياق يقتضى ما أثبتنا نقلا عن كتاب الحيوان ج 1 ص 89 . « 2 » في كلا الأصلين : « لما رمى » وقوله « لما » زيادة من الناسخ لا يستقيم بها الكلام ، كما هو ظاهر . « 3 » الفسولة : النذالة والخسة ، والفعل ككرم وعلم . « 4 » التقزز : التباعد من الدنس ؛ وفى الحيوان : « تقذره » ؛ والمعنى يستقيم عليه أيضا ؛ وهو من قولهم : « تقذرت الشئ » ، إذا كرهته لوسخه . « 5 » « ووصف » ، أي الجاحظ انظر ( باب ما ذكر صاحب الديك من ذم الكلاب ) في كتاب الحيوان ج 1 ص 104 طبع مطبعة السعادة . « 6 » في نسخة الحيوان المأخوذة بالتصوير الشمسي المحفوظة بدار الكتب المصرية : « وجبنها » والمعنى يستقيم على كلتا الروايتين ؛ ويرجح الرواية الثانية مناسبة الجبن للضعف المذكور بعده .